الدمعة الخرساء إيليا أبو ماضي

ﻋﺪﺩ اﻟﺰﻳﺎﺭاﺕ: 290


 

 سمعت عويل النائحات عشية

 في الحيّ يبتعث الأسى و يثير

 

 يبكين في جنح الظلام صبيّة

 إنّ البكاء على الشباب مرير

 

 فتجهّمت و تلفّتت مرتاعة

 كالظبي أيقن أنّه مأسور

 

 و تحيّرت في مقلتيها دمعة

 خرساء لا تهمي و ليس تغور

 

 فكأنّها بطل تكنّفه العدى

 بسيوفهم و حسامه مكسور

 

 و جمت ، فأمسى كلّ شيء واجما

 ألنور ، و الأظلال ، و الديجور

 

 ألكون أجمع ذاهل لذهولها

 حتى كأنّ الأرض ليس تدور

 

 لا شيء ممّا حولنا و أمامنا

 حسن لديها و الجمال كثير

 

 سكت الغدير كأنّما التحف الثرى

 وسها النسيم كأنّه مذعور

 

 و كأنّما الفلك المنوّر بلقع

 و الأنجم الزهراء فيه قبور

 

 كانت تمازحني و تضحك فانتهى

 دور المزاح فضحكها تفكير

...

 قالت وقد سلخ ابتسامتها الأسى :

 صدق الذي قال الحياة غرور

 

 أكذا نموت و تنقضي أحلامنا

 في لحظة ، و إلى التراب نصير ؟

 

 و تموج ديدان الثرى في أكبد

 كانت تموج بها المنى و تمور

 

 خير إذن منّا الألى لم يولدوا

 و من الأنام جلامد و صخور

 

 و من العيون مكاحل و مراود

 و من الشفاه مساحيق و ذرور

 

 و من القلوب الخافقات صبابة

 قصب لوقع الريح فيه صفير !

...

 و توقّفت فشعرت بعد حديثها

 أن الوجود مشوّش مبتور

 

 ألصيف ينفث حرّه من حولنا

 و أنا أحسّ كأنّني  مقرور

 

 ساقت إلى قلبي الشكوك فنغّصت

 ليلي ، و ليس مع الشكوك سرور

 

 و خشيت أن يغدو مع الرّيب الهوى

 كالرسم لا عطر و فيه زهور

 

 و كدميه المثّال حسن رائع

 ملء العيون و ليس ثمّ شعور

 

 فأجبتها : لتكن لديدان الثرى

 أجسامنا إنّ الجسوم قشور

 

 لا تجزعي فالموت ليس يضيرنا

 فلنا إياب بعده و نشور

 

 إنّا سنبقى بعد أن يمضي الورى

 و يزول هذا العالم المنظور

 

 فالحب نور خالد متجدد

 لا ينطوي إلاّ ليسطع نور

 

 و بنو الهوى أحلامهم ورؤاهم

 لا أعين و مراشف و نحور

 

 فإذا طوتنا الأرض عن أزهارها

 و خلا الدجى منّا و فيه بدور

 

 فسترجعين خميلة معطارة

 أنا في ذراها بلبل مسحور

 

 يشدو لها و يطير في جنباتها

 فتهشّ إذ يشدو و حين يطير

 

 أو جدولا مترقرقا مترنّما

 أنا فيه موج ضاحك و خرير

 

 أو ترجعين فراشة خطّارة

 أنا في جناحيها الضحى الموشور

 

 أو نسمة أنا همسها و حفيفها

 أبدا تطوّف في الذرى و تدور

 

 تغشى الخمائل في الصباح بليلة

 و تؤوب حين تؤوب و هي عبير

 

 أو نلتقي عند الكثيب ، على رضى

 و قناعة ، صفصافة و غدير

 

 تمتدّ فيه و في ثراه عروقها

 و يسيل تحت فروعها و يسير

 

 و يغوص فيه خيالها فيلفه

 و يشفّ فهو المنطوي المنشور

 

 يأوي إذا اشتدّ الهجير إليهما

 ألناسكان : الظبي و العصفور

 

 لهما سكينتها ووارف ظلّها

 و الماء إن عطشا لديه وفير

 

 أعجوبتان – زبرجد متهدل

 نام تدفّق تحته البلّور

 

 لا الصبح بينهما يحول و لا الدجى

 فكلاهما بكليهما مغمور

 

 تتعاقب الأيّام و هي نضيره

 مخضرّة الأوراق ، و هو نمير

 

 فالدهر أجمعه لديهما غبطة

 فالدهر أجمعه لديها حبور

...

 فتبسّمت و بدا الرضى في وجهها

 إذ راقها التمثيل و الصوير

 

 عالجتها بالوهم فهي قريرة

 و لكم أفاد الموجع التخدير

 

 ثمّ افترقنا ضاحكين إلى غد

 و الشهب تهمس فوقنا و تشير

 

 هي كالمسافر آب بعد مشقّة

 و أنا كأنّي قائد منصور

 

 لكنّني لمّا أويت لمضجعي

 خشن الفراش عليّ و هو وثير

 

 و إذا سراجي قد وهت و تلجلجت

 أنفاسه فكأنّه المصدور

 

 و أجلت طرفي في الكتاب فلاح لي

 كالرسم مطموسا و فيه سطور

 

 و شربت بنت الكرم أحسب راحتي

 فيها : فطاش الظنّ و التقدير

 

 فكأنّني فلك وهت أمراسها

 و البحر يطغى حولها و يثور

 

 سلب الفؤاد رواه و الجفن الكرى

 همّ عرا ، فكلاهما موتور

 

 حامت على روحي الشكوك كأنّها

 و كأنّهن فريسة و صقور

 

 و لقد لجأت إلى الرجاء فعقّني

 أما الخيال فخائب مدحور

 

 يا ليل أين النور ؟ إنّي تائه

 مر ينبثق ، أم ليس عندك نور ؟

...

 " أكذا نموت و تنقضي أحلامنا

 في لحظة و إلى التراب نصير ؟ "

 

 " خير إذن منّا الألى لم يولدوا

 و من الأنام جنادل و صخور "

 

ﻛﻠﻤﺎﺕ ﻣﻔﺘﺎﺣﻴﺔ:
أدب عربي لبنان



اﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ